المحقق البحراني

114

الحدائق الناضرة

وبالجملة فالثابت أصل الجواز وأما غيره من الأحكام فيحتاج إلى دليل واضح . الثاني : في الأكل ، قالوا : إنه يجوز الأكل من هذا المنثور عملا بشاهد الحال المستمر في ساير الأعصار ما لم تعلم الكراهة ، ولأنه نوع إباحة ، فأشبه إباحة الطعام للضيفان بوضعه بين أيديهم . وظاهر هذا الكلام هو أن المستند في الجواز استمرار الناس في ساير الأعصار على الأكل من هذا الذي ينثر عليهم ونثره عليهم بمنزلة وضع الطعام بين يدي الضيفان ، وفيه ما ستعرف إن شاء الله تعالى . الثالث : في الأخذ ، وقد صرحوا ( رضوان الله عليهم ) بأنه لا يجوز أخذه واستصحابه من غير أن يؤكل في محله ، إلا بإذن أربابه صريحا أو بشاهد الحال وحينئذ فالمرجع في ذلك إلى شاهد الحال ، فإن دل على المنع من أخذه امتنع قالوا : وذلك بأن يوضع على خوان وشبهه بين يدي الآكلين ولا يرمى رميا عاما فإن ذلك قرينة على إرادة ضبطه ، وقصر الإذن على الأكل . أقول : لا ريب أن هذا الفرض موجب للخروج عن محل البحث ، وذلك فإنه لا يفهم من النثار إلا ما رمي رميا عاما ، ونثر على الحاضرين ، وأنهم كانوا ينتهبونه لا ما وضع في آنية مخصوصة بين يدي الآكلين ، كوضع الطعام بين يدي الضيف ، فإن هذا لا يسمى نثارا ( 1 ) ولا يتعلق به حكم النثار ، كما هو ظاهر . قالوا : ولو اشتبه الأمران ، بمعنى أنه لم يعلم بشاهد الحال الإذن ولا عدمه ، فظاهر المحقق في الشرايع المنع من أخذه ، لأنه قال : ولا يجوز أخذه إلا بإذن أربابه نطقا أو بشاهد الحال ، ومفهومه جعل الجواز مشروطا بالإذن ، ولو بشاهد الحال ، وهو هنا غير حاصل فلا يجوز ، واستحسنه الشارح في المسالك أيضا ، قال : لأصالة المنع من التصرف في مال الغير ، خرج منه ما إذا استفيد الإذن فيبقى

--> ( 1 ) ويدل على ما ذكرنا ما في المصباح قال : نثرته نثرا من باب قتل وذهب رميته متفرقا انتهى . ( منه - رحمه الله - ) .